أحمد بن الحسين البيهقي

30

كتاب القضاء والقدر

لها تأثير أصلا في الفعل كان وجودها كعدمها ، ولم تكن قدرة ، بل كان اقترانها بالفعل كاقتران سائر صفات الفاعل في طوله وعرضه ولونه » « 1 » . ويقول في موضع آخر : « ولا يقول - أي الأشعري - أن العبد فاعل في الحقيقة بل كاسب ، ولم يذكروا بين الكسب والفعل فرقا معقولا ، بل حقيقة قول جهم أن العبد لا قدرة له ولا فعل ولا كسب » « 2 » . وكان من نتائج تلك النظرة الخاطئة - من قبل البيهقيّ وسائر الأشاعرة - إلى القضاء والقدر ؛ أن أنكروا تأثير الأسباب في مسبباتها وقالوا : إنّما الأعمال أو الأسباب أعلام وأمارات يكون عندها المسبب أو الثواب والعقاب ، لا بها ! ! « وهذا - عندهم - كما إذا رأيت غيما أسود باردا في زمن الشتاء ، فإن ذلك دليل وعلامة على أنه يمطر ، قالوا : وهكذا حكم الطاعات مع الثواب ، والكفر والمعاصي مع العقاب ، هي أمارات محضة لوقوع الثواب والعقاب لا أنّها أسباب له ، وهكذا عندهم الكسر مع الانكسار ، والحرق مع الاحتراق ، والإزهاق مع القتل ، ليس شيء من ذلك سببا البتة ، ولا ارتباط بينه وبين ما يترتب عليه ، إلّا مجرد الاقتران العادي ، لا التأثير السببي ، وخالفوا بذلك الحس والعقل ، والشرع والفطرة وسائر طوائف العقلاء ، بل أضحكوا عليهم العقلاء » « 3 » . « ذلك أنّهم ظنّوا أن إثبات الأسباب ينافي الإيمان بالقضاء والقدر وكأنّهم يقولون إن الإيمان بالقدر هو اعتقاد وقوع الأشياء بدون أسبابها الشرعية والقدرية ، وهو نفي للوجود لها فإن اللّه

--> ( 1 ) « مجموع الفتاوى » ( 28 / 466 ، 467 ) . ( 2 ) « النبوات » ( ص 166 ) . ( 3 ) « الجواب الكافي » لابن قيم الجوزية ( ص 15 ) .